المقريزي
140
المقفى الكبير
وقضى أوقاته ما بين قصف وصيد . ومع ذلك فما [ 213 أ ] كان يخلّ بالجلوس للنظر في المصالح ، وتفقّد أحوال الرعيّة ، وتحصين الحصون وملء كلّ ثغر بما يحتاج إليه ، وترتيب رجاله وتفقّد أحواله ، وإدرار النفقات عليهم ، وادّخار السلاح وما يحتاج إليه ، ولا يزال يتفقّد هذا بنفسه ، وقصّاده لا تنقطع من بلاد العدوّ فتأتيه بجميع أحوالهم ، إلّا أنه كان يسمع كلام كلّ قائل ويكمن ذلك في نفسه من غير أن يحرّك فيه ساكنا . وكان واسع السماط كثير الانشراح عليه ، مع كرم النفس ، إلّا أنّه كان قليل ذات اليد ، فلذلك قلّ عطاؤه . ويقال إنه أكثر ما ملك سبعة آلاف دينار . وكان خيّرا عديم الشرّ والأذى ، يكره الظلم ، ويوصف بالحلم والتؤدة ، لم يسفك قطّ دما إلّا بطريق شرعيّ . وكان يعاشر جماعة من أهل العلم والأدب ، مثل الشيخ صدر الدين محمد ابن المرحّل « 1 » ، وبدر الدين [ . . . ] ابن العطّار . وكان أهل دمشق يحبّونه محبّة زائدة ونقشوا رنكه « 2 » على طرزهم وآلاتهم حتى نقشته النساء الخواطىء « 3 » على فروجهنّ . ونظم فيه الأدباء عدّة أشعار . وكتب إليه الصدر ابن المرحّل وهو بصرخد هذه الأبيات ، وبعثها مع هديّة [ الطويل ] : أيا جيرة بالقصر كان لكم مغنى * رحلتم ، فعاد القصر لفظا بلا معنى وأظلم لمّا غاب نور جماله * وقد كان من شمس الضّحى نوره أسنى « 4 » فلا تحسبوا أنّ الديار وطيبها * زمانكم ، لا والذي أذهب الحسنا لقد كانت الدنيا بكم في غضارة * ونعمى ، فأعمى اللّه عينا أصابتنا ولا رقّت الآصال إلّا صبابة * ولا حرّكت ريح الصّبا طربا غصنا يعزّ عليهم بعد داري عنهم * وقد كنت منهم قاب قوسين أو أدنى « 5 » وأنّي ألاقي ما لقيت من الذي * لقلبي قد أصمى وجسمي قد أضنى لقد كنتم يا جيرة الحيّ رحمة * أياديكم تمحو الإساءة بالحسنى فوافته الهديّة والأبيات ، وكانت فاكهة ، وقد خرج إلى الصيد وليس مع خازن داره سوى ألف درهم ، فقال : هذا القدر ما يكفي الشيخ صدر الدين ، يا صبيان ، أقرضوني حوائصكم ! - فأخذ من مماليكه عشرين حياصة وبعثها إليه مع الألف وقال لقاصده : سلّم على الشيخ وقل له [ وافر ] : على قدر الكساء مددت رجلي * وإن طال الكساء مددت زادة 811 - آقوش الشريفيّ [ - 700 ] « 6 » آقوش الشريفيّ ، الأمير جمال الدين ، أحد المماليك الصالحيّة النجميّة . [ ترقّى في الخدم ] واستقرّ أمير جندار . فلمّا ملك قلاوون أخرجه من
--> ( 1 ) ابن المرحّل - وابن الوكيل - محمد بن عمر ، له ترجمة في المقفّى ج 6 / 435 رقم 2930 ( ت 716 ) . ( 2 ) الرّنك : شعار الأمير يرسم على رايته وسلاحه . ( 3 ) في تحفة ذوي الألباب 2 / 214 : الخواطىء ( أي البغايا ) والكلمة عند ابن كثير 14 / 99 : وزوّج الخواطىء وأراق الخمور ففرح المسلمون بذلك . ( 4 ) في المخطوط : غاب نوره ، والتصويب من أعيان العصر والوافي . ( 5 ) في المخطوط وفي الأعيان : منها . ( 6 ) الوافي 9 / 324 ( 4261 ) ؛ السلوك 1 / 917 .